برهان غليون
وفي اعتقادي أن السبب الرئيسي لهذا التراجع هو الفراغ السياسي الذي يخيم على جو الانتفاضة، وشك الأطراف الدولية بقدرة قوى المعارضة على الخروج من انقسامها وعطالتها وتشكيل بديل مقنع وذي صدقية للنظام الذي يعتقد الجميع بأنه دخل في مأزق قاتل لن يستطيع أن يخرج منه، وأن من غير الممكن للعنف المفرط الذي يستخدمه ضد مواطنيه أن يسمح له باستعادة ثقة الشعب به.
...
ولن يمكن للنظام الذي اضطر إلى يفقد نصف وزنه حتى الآن، وأصبح يسير على قدم واحدة، هي الآلة القمعية، أن يستمر طويلا في مواجهة المصير المحتوم. ولن تكف كفة المعارضة الشعبية عن النمو على حساب كفة النظام الذي يخسر كل يوم فئات جديدة من أنصاره السابقين بسبب ما يستخدمه من وسائل لا قانونية ولا شرعية ولا أخلاقية في مواجهة حركة الاحتجاج الشعبية السلمية والتي اعترف هو نفسه في البداية بطابع مطالبها الشرعي قبل أن ينقض عليها باسم مكافحة الإرهاب وقطع الطريق على إقامة الإمارات الإسلامية التي هي من صنع خياله وأجهزته الضعيفة وغير المهنية.
...
وبمقدار ما طلق السياسة وامتشق سلاح العنف، فقد أي أمل في أن يستعيد مكانته كنظام سياسي. ومن غير الممكن أن يربح ثقة شعبه بممارسة المزيد من القتل والكذب والخداع. لذلك لن يطول الوقت قبل أن يكتشف النظام أن الحل الأمني غير قادر على حسم المعركة، وأنه لا مهرب له من الانفتاح والجلوس مع ممثلي الاحتجاج على طاولة المفاوضات. وحينئذ لن يكون من الممكن الاستمرار في القتل وحصار المدن وتجويع السكان. ولن تكون الأطراف الدولية محايدة في دعم قضية التغيير والإصلاح.
من هنا إن الرد على تصعيد النظام للعنف لا يكون أولا إلا بمواصلة مسيرات الاحتجاج حتى يفقد النظام إيمانه بإمكانية القضاء على الاحتجاج بالعنف، مع ضرورة إعادة تنظيمه لتجنب أكثر ما يمكن من الخسائر في الأرواح، وثانيا بالعمل على طمأنة قطاعات الرأي العام السوري التي لا تزال خائفة من الانخراط في المسيرات الشعبية، على الرغم من إيمانها بضرورة التغيير ورفضها سياسات النظام الراهنة وإستراتيجياته الأمنية اللاإنسانية.
ولن يمكن تحقيق هذين الهدفين من دون سد الثغرة التي لا تزال تشجع النظام على الابتزاز بالعنف والاستفادة من سلاح الإرهاب، وتثير القلق عند قطاعات الرأي العام السوري الواسعة، ولا تساهم في طمأنة الرأي العام الدولي على مستقبل الاستقرار والسلام الأهلي في سوريا.
وهذه الثغرة ليست شيئا آخر سوى غياب هيئة سياسية قوية تعكس مطالب الحركة الاحتجاجية وتبلورها وتتمتع بما ينبغي من الصدق لدى الشعب ولدى الرأي العام الدولي. وهذا ما يستدعي العمل على لم شمل المعارضة السورية، من حركات احتجاجية شبابية ومستقلين وأعضاء في أحزاب، في إطار مبادرة واحدة تعبر عن وحدة الشعب ووحدة المطالب الديمقراطية معا.
فغياب الغطاء السياسي لحركة الاحتجاج يزيد من تغول السلطة ويشجعها على المضي في القتل أملا بإخماد روح المقاومة قبل أن يتكون لها رأس سياسي ومرجعية تتماسك من خلالها. كما أن الرأي العام الدولي يتردد في الضغط على النظام أكثر طالما لم يجد هناك مسؤولين سياسيين واضحين وراء حركة الاحتجاج يخاف من انتقاداتهم أو يؤمن بأن هناك محاورا سياسيا ذا صدقية وتمثيلية يمكن له أن يقف سياسيا في مواجهة النظام.
بتحقيق ذلك لن يبقى أمام النظام خيار آخر سوى أن يلقي سلاح العنف، ويقبل بفتح مفاوضات جدية لن تكون ممكنة إلا إذا كان هدفها الواضح منذ البداية الخروج من صيغة النظام القائمة على الاحتكار والفساد وبطش الأجهزة الأمنية، والانتقال نحو نظام ديمقراطي تعددي يضمن لجميع أبناء سوريا حقوقهم ويؤمنهم على حرياتهم ومستقبل أبنائهم.
ولن يكون الحوار عندئذ على أجندة السلطة الرامية إلى تعزيز النظام القائم، وإنما سيتمحور حول الاتفاق على آليات الانتقال ورزنامته وعلى القرارات والإصلاحات المؤدية لذلك.